فخر الدين الرازي
231
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الإنصاف ، وإذا كانوا كذلك فبتقدير أن يعطوا ما سألوه من إنزال معجزات أخرى ، فإنهم لا يؤمنون بل يبقون على كفرهم وجهلهم ، فنفتقر هاهنا إلى بيان أمرين : إلى بيان أن عادة هؤلاء الأقوام المكر واللجاج والعناد ، ثم إلى بيان أنه متى كان الأمر كذلك لم يكن في إظهار سائر المعجزات فائدة . أما المقام الأول : فتقريره أنه روي أن اللَّه تعالى سلط القحط على أهل مكة سبع سنين ثم رحمهم ، وأنزل الأمطار النافعة على أراضيهم ، ثم إنهم أضافوا تلك المنافع الجليلة إلى الأصنام وإلى الأنواء ، وعلى التقديرين فهو مقابلة للنعمة بالكفران . فقوله : وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً المراد منه تلك الأمطار النافعة . وقوله : مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ المراد منه ذلك القحط الشديد . وقوله : إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا المراد منه إضافتهم تلك المنافع الجليلة إلى الأنواء والكواكب أو إلى الأصنام . واعلم أنه تعالى ذكر هذا المعنى بعينه فيما تقدم من هذه السورة ، وهو قوله تعالى : وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ [ يونس : 12 ] إلا أنه تعالى زاد في هذه الآية التي نحن في تفسيرها دقيقة أخرى ما ذكرها في تلك الآية ، وتلك الدقيقة هي أنهم يمكرون عند وجدان الرحمة ، ويطلبون الغوائل ، وفي الآية المتقدمة ما كانت هذه الدقيقة مذكورة ، فثبت بما ذكرنا أن عادة هؤلاء الأقوام اللجاج والعناد والمكر وطلب الغوائل . وأما المقام الثاني : وهو بيان أنه متى كان الأمر كذلك فلا فائدة في إظهار سائر الآيات ، لأنه تعالى لو أظهر لهم جميع ما طلبوه من المعجزات الظاهرة فإنهم لا يقبلونها ، لأنه ليس غرضهم من هذه الاقتراحات التشدد في طلب الدين ، وإنما غرضهم الدفع والمنع والمبالغة في صون مناصبهم الدنيوية ، والامتناع من المتابعة للغير ، والدليل عليه أنه تعالى لما شدد الأمر عليهم وسلط البلاء عليهم ، ثم أزالها عنهم وأبدل تلك البليات بالخيرات ، فهم مع ذلك استمروا على التكذيب والجحود ، فدل ذلك على أنه تعالى لو أنزل عليهم الآيات التي طلبوها لم يلتفتوا إليها ، فظهر بما ذكرنا أن هذا الكلام جواب قاطع عن السؤال المتقدم . الوجه الثاني : في تقرير هذا الجواب : أن أهل مكة قد حصل لهم أسباب الرفاهية وطيب العيش ، ومن كان كذلك تمرد وتكبر كما قال تعالى : إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [ العلق : 6 ، 7 ] وقرر تعالى هذا المعنى بالمثال المذكور ، فإقدامهم على طلب الآيات الزائدة والاقتراحات الفاسدة ، إنما كان لأجل ما هم فيه من النعم الكثيرة والخيرات المتوالية ، وقوله : قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً كالتنبيه على أنه تعالى يزيل عنهم تلك النعم ، ويجعلهم منقادين للرسول مطيعين له ، تاركين لهذه الاعتراضات الفاسدة ، واللَّه أعلم . المسألة الثانية : قوله تعالى : وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً كلام ورد على سبيل المبالغة ، والمراد منه إيصال الرحمة إليهم . واعلم أن رحمة اللَّه تعالى لا تذاق بالفم ، وإنما تذاق بالعقل ، وذلك يدل على أن القول بوجود السعادات الروحانية حق . المسألة الثالثة : قال الزجاج ( إذا ) في قوله : وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً للشرط و إِذا في قوله إِذا لَهُمْ مَكْرٌ جواب الشرط وهو كقوله : وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ [ الروم : 36 ]